حيدر حب الله

304

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

ثالثاً : إذا كان في اتّباع سياسة عرض الرأي والرأي الآخر في مختلف وسائل الإعلام مصالح ، لكن في المقابل احتمل حصول الضلال لبعض الناس بذلك فلا دليل على الحرمة لأجل الاحتمال . وأما لو علم إجمالًا بحصول الضلال لبعضهم مثلًا ، كأن يتأثر بالشخصيّة المستضافة لبرنامج الحوار الإعلامي والتي تحمل الفكر الضالّ ، ولا يتأثر بنقده ، ففي هذه الحال قد يقال بالحرمة أيضاً تنجيزاً للعلم الإجمالي الموجود في المقام . وقد يقال في مقابل ذلك بمرجعيّة قانون التزاحم ، بأن يدور الأمر بين سياسة إعلامية لا تنفتح أبداً على الرأي والرأي الآخر ، وسياسة إعلامية منفتحة قد يؤدّي انفتاحها هذا إلى بعض الآثار السلبيّة في مقابل خلق حالة وعي عام وحصول تنمية ثقافية ونهضة وعي في عام في هذا السياق . وهنا ينظر فيما هو الأرجح لمصالح الدين في كلّ عصر ومصر ، إذ لو أخذت مثل هذه العلوم الإجمالية على إطلاقها لحكم بحرمة نشر كثير من كتب علماء المسلمين بل وعلماء المذهب الواحد ، ككتب الفلاسفة والمتصوّفة والعرفاء والمفسّرين ، بل وحتى بعض كتب الفقهاء والمحدّثين التي فيها أدلّة الآخرين من سائر المذاهب مثلًا - على فرض أنّ هذه يصدق عليها ضلالات - فالقضية تختلف ، فلو كنّا في زمن تروج فيه أساطير التصوّف ويحدث انحراف عن الشرع بسببها ، لربما أمكن الحكم بحرمة نشرها لتأثّر الشباب بها ، لكنّه في زمن آخر لا يكون كذلك ، ولو عُلم في الجملة بحصول حالة تأثر لواحدٍ من الناس ، إذ ما من كتاب إلا ويعلم إجمالًا بتسبّبه بضلال ولو جزئي ولو لواحد من الناس ، كيف وبعض كتب الفقهاء ومقولاتهم استخدمت مادة للتشنيع على الدين نفسه !